محمد بن عبد الله الخطيب الإسكافي

36

درة التنزيل و غرة التأويل في بيان الآيات المتشابهات في كتاب الله العزيز

وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عاكِفُونَ فِي الْمَساجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها « 1 » وقال في آخر هذه السورة : تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها « 2 » . للسائل أن يسأل فيقول : كيف اختص الموضع الأول بقوله : فَلا تَقْرَبُوها والموضع الثاني بقوله : فَلا تَعْتَدُوها ؟ . الجواب أن يقال : الأول خرج على أغلظ الوعيد ، كما قال : وَلا تَقْرَبا هذِهِ الشَّجَرَةَ « 3 » وإنما كان نهى عن أكلها لا الدنو منها ، فخرج مخرج قول القائل إذا نهى عن الشيء وشدد الأمر فيه : لا تقرب هذا الشيء ، وما أحسن ما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم في المنع من مقاربة الحرام : « من رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه » ، وكما يروى عن بعض الصالحين إني لأحب أن يكثف الحاجز بيني وبين ما حرم اللّه ، فلما كانت حالة هذه الموضع الأول نهيا : عن مواقعة النساء في حالة الاعتكاف في المساجد صار فيه تحذير من دواعي المواقعة ، فاقتضى من المبالغة ما لم يقتضه قوله : فَلا جُناحَ عَلَيْهِما فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوها فكأنه قال لا تتجاوزوها يعني : المرأة إذا افتدت لمهرها وخالعت زوجها لم يكن عليها إثم ، وهذه حدود نهى عن تعديتها ، والحدود ضربان : حد هو منع من ارتكاب المحظور ، وحد هو فاصل بين الحلال والحرام ، فالأول ينهى عن مقاربته ، والثاني ينهى عن مجاوزته ، وهما المذكوران في هذه السورة وحد النهي عنهما والسلام . الآية التاسعة عشرة قوله تعالى : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ « 4 » وقال في سورة الأنفال « 5 » : وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ . للسائل أن يسأل فيقول : لأي فائدة قال في هذه السورة : وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ ولم يؤكد وعقبه بقوله : فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ وفي سورة الأنفال : وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فوكده وأتبعه قوله : فَإِنَّ اللَّهَ بِما يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ .

--> ( 1 ) سورة : البقرة ، الآية : 187 . ( 4 ) سورة : البقرة ، الآية : 193 . ( 2 ) سورة : البقرة ، الآية : 229 . ( 5 ) الآية : 39 . ( 3 ) سورة : البقرة ، الآية : 35 .